في مشهد يعكس تعافياً اقتصادياً قوياً وتجاوزاً لتبعات الأزمات العالمية والإقليمية، سجلت كل من جمهورية مصر العربية والمملكة المغربية طفرة سياحية غير مسبوقة خلال العام الماضي، حيث استقطبت الدولتان ما يقارب 20 مليون سائح لكل منهما، ليرسخا مكانتهما كأهم وجهتين سياحيتين في القارة الأفريقية. وبينما تجذب الآثار المصرية ملايين الزوار، يبدو أن كنوز الفراعنة لم تبح بكل أسرارها بعد، إذ كشفت دراسات علمية حديثة عن دور محتمل لمادة استخدمها المصريون القدماء في إحداث ثورة في مجال الطاقة النظيفة.
أرقام مغربية تتحدى الأزمات
أظهرت البيانات الختامية للعام المنصرم أن المغرب نجح في جذب نحو 19.8 مليون زائر، محققاً زيادة لافتة بلغت 14% مقارنة بالعام الذي سبقه. وتعكس هذه الأرقام، التي وصفتها وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور بـ”التحول الجذري”، نجاح المملكة في تجاوز تداعيات “زلزال الحوز” الذي ضرب مناطق جنوب مراكش في سبتمبر 2023. وتخضع ساحة “جامع الفنا” الشهيرة حالياً لأعمال ترميم وتجديد، دون أن يؤثر ذلك على جاذبية المدينة كمركز سياحي عالمي.
ساهمت استراتيجية النقل الجوي بشكل مباشر في هذا النمو، حيث عززت الخطوط الملكية المغربية أسطولها ضمن خطة طموحة لمضاعفته أربع مرات ليصل إلى 200 طائرة بحلول عام 2038، مع فتح خطوط مباشرة جديدة نحو الولايات المتحدة والصين، بالتوازي مع خيارات الطيران الاقتصادي من أوروبا عبر “رايان إير”. وقد شهد شهر ديسمبر زخماً إضافياً بفضل استضافة المملكة لبطولة كأس الأمم الأفريقية، مما استقطب عشرات الآلاف من الجماهير، في خطوة تمهيدية لاستقبال 26 مليون سائح سنوياً بحلول موعد تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
مصر: نهضة سياحية ومرونة اقتصادية
على الجانب الآخر، أثبت قطاع السياحة المصري مرونة عالية في وجه التوترات الجيوسياسية المجاورة، مسجلاً ارتفاعاً في أعداد الزوار بنسبة 21% ليصل الإجمالي إلى 19 مليون زائر. وجاء الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، الذي تبلغ تكلفته مليار دولار ويقع بمحاذاة أهرامات الجيزة، ليمثل حدثاً مفصلياً في نوفمبر الماضي، جاذباً أنظار العالم ومجدداً الشغف بالحضارة المصرية القديمة.
وتتزامن هذه الحركة النشطة مع ازدهار غير مسبوق في منتجعات البحر الأحمر بشرم الشيخ والغردقة، بالإضافة إلى مشاريع الساحل الشمالي التي تعيد تشكيل الخريطة السياحية للمنطقة. وفي القاهرة، تجري عمليات تطوير شاملة تشمل فنادق فاخرة وترميم منطقة وسط البلد التاريخية ومحيط القلعة. وقد أكد وزير السياحة شريف فتحي أن نسب الإشغال الفندقي بلغت 100% في بعض المواقع، مشيراً إلى استهداف الدولة الوصول إلى 30 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2031.
من السياحة إلى المختبرات: الفراعنة والطاقة الشمسية
بينما يتدفق السياح لمشاهدة عظمة البناء المصري القديم، التفت العلماء في أستراليا إلى المواد التي استخدمها هؤلاء القدماء، ليكتشفوا أن المصريين لم يبرعوا في العمارة والطب فحسب، بل استخدموا مواد قد تكون الحل الأمثل لمستقبل الطاقة الشمسية. فقد تمكن فريق بحثي من جامعة نيو ساوث ويلز (UNSW) في سيدني من تحقيق إنجاز علمي باستخدام مادة “كالكوجينيد الأنتيمون”، وهي المادة المعروفة تاريخياً باسم “الإثمد” أو (الستيبنيت)، والتي شاع استخدامها في مصر القديمة ككحل للعيون وكدواء منذ خمسة آلاف عام.
إنجاز علمي يعيد الاعتبار لمواد الماضي
لطالما سيطرت الألواح الشمسية القائمة على السيليكون على السوق العالمية، ورغم محاولات تطوير مواد بديلة مثل “البيروفسكايت”، ظلت التحديات قائمة. وهنا برزت مادة “كالكوجينيد الأنتيمون” كمرشح قوي بفضل تكلفتها المنخفضة، وقدرتها العالية على امتصاص ضوء الشمس، وإمكانية تصنيعها في درجات حرارة منخفضة. لكن العقبة الرئيسية كانت تكمن في كفاءتها التي لم تتجاوز حاجز الـ 10% لسنوات بسبب التوزيع غير المتكافئ لعنصري السيلينيوم والكبريت داخل المادة، مما كان يخلق حواجز تعيق حركة الإلكترونات وتسبب فقدان الطاقة.
نجح الفريق الأسترالي في فك هذه الشفرة عبر حل بسيط ومبتكر، تمثل في إضافة كميات ضئيلة من كبريتيد الصوديوم لضبط التفاعل الكيميائي، مما أدى إلى توزيع متجانس للمكونات. وأسفرت هذه الخطوة عن رفع كفاءة الخلايا الشمسية المصنعة من هذه المادة إلى مستوى قياسي بلغ 10.7%، وهو رقم تم تأكيده رسمياً من قبل منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية (CSIRO).
يفتح هذا الاكتشاف الباب واسعاً أمام تطبيقات تجارية جديدة، حيث يمكن استخدام هذه التقنية في الخلايا الشمسية المترادفة (Tandem cells) لتعزيز كفاءة الألواح التقليدية، فضلاً عن إمكانية توظيفها في الإضاءة الداخلية والنوافذ الشمسية الذكية، ليؤكد ذلك أن الإرث الذي تركه القدماء لا يزال قادراً على إلهام حلول مستدامة لمشاكل العصر الحديث، متجاوزاً كونه مجرد قطع أثرية تُعرض في المتاحف.
