كالعادة في مايو من كل عام، تتجه الأنظار إلى مدينة “ماونتن فيو” بولاية كاليفورنيا، حيث تطلق جوجل مؤتمرها السنوي للمطورين Google I/O 2026. الحدث هذا العام ليس مجرد استعراض اعتيادي للميزات البرمجية، بل هو خطوة علنية ترسم بها الشركة ملامح المرحلة القادمة التي ستغير طريقة تفاعلنا اليومي مع التكنولوجيا، بدءًا من التحديثات الجذرية لحزمة الذكاء الاصطناعي Gemini وصولاً إلى التفاصيل المنتظرة لنظاراتها الذكية Android XR.
الجميع يترقب ما ستسفر عنه الجلسات الافتتاحية في مسرح “شورلاين”. التسريبات التي ظهرت مؤخراً أعطتنا لمحة عما هو قادم في نظام Android 17 ومنصة Android Auto، لكن الإثارة الحقيقية تكمن في تفاصيل أخرى تماماً؛ وهي منصة الحوافز المحمولة الجديدة “Googlebook” المدعومة بتقنيات أندرويد وجيميني، والمجهزة بأجهزة قادمة من عمالقة مثل HP وديل ولينوفو في وقت لاحق من هذا العام. أضف إلى ذلك، النقلة النوعية في أتمتة المهام عبر Gemini، والنظارات الذكية التي تطورها جوجل بالشراكة مع أسماء ثقيلة في السوق مثل سامسونج وXreal وWarby Parker وGentle Monster. هذه النظارات قد ترى النور قريباً لتنقل الواقع المعزز من مجرد رفاهية إلى أداة استخدام يومي فعلي.
ما وراء الكواليس: معركة البنية التحتية وضخ السيولة
لكي تعمل كل هذه الأدوات الذكية والكاميرات والمعالجات اللحظية بسلاسة، هناك محرك ضخم يتغذى في الخلفية: بنية تحتية هائلة ومكلفة للغاية. وهنا يبرز الجانب الآخر من القصة؛ حيث أعلنت جوجل بالتحالف مع مجموعة “بلاك ستون” الاستثمارية عن إطلاق شركة سحابية جديدة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، في إشارة واضحة إلى أن حيتان وول ستريت بدأوا يتغلغلون عميقاً في سباق التسلح الخاص بالبنية التحتية الحوسبية.
هذا المشروع المشترك لن يقتصر على توفير مساحات لمراكز البيانات وتشغيلها فحسب، بل سيقدم وحدات معالجة الموتر (TPUs) الخاصة بجوجل كخدمة حوسبة مأجورة (compute-as-a-service)، وهو ما يمنح الشركات طريقة بديلة تماماً للوصول إلى قدرات جوجل الحوسبية الخارقة، على غرار النموذج الذي تقدمه شركات مثل “كور ويف”. وتعتزم بلاك ستون ضخ استثمار أولي بقيمة 5 مليارات دولار من خلال صناديقها الاستثمارية، وتتوقع تشغيل أول 500 ميجاوات من الطاقة بحلول عام 2027، لتستحوذ بذلك على حصة الأغلبية في هذا الكيان الجديد بحسب مصادر مطلعة على الصفقة.
شهية وول ستريت المفتوحة لبيانات المستقبل
الأرقام المتداولة تظهر حجم المخاطرة والفرص في آن واحد؛ فالإنفاق الرأسمالي لشركات التقنية الكبرى يتجاوز 700 مليار دولار هذا العام لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومع ذلك، يبدو أن السوق لا يزال جائعاً للمزيد. تشير تقديرات شركة “أريس” لإدارة الأصول إلى أن الفرص الاستثمارية في مراكز البيانات التابعة لأطراف ثالثة وحده يصل إلى قرابة 900 مليار دولار.
بالنسبة لبلاك ستون، هذه الخطوة ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لتوسعها الشرس في هذا القطاع. إذ أسست مؤخراً وحدة في الساحل الغربي مخصصة بالكامل للاستثمار في التقنيات الناشئة، وتمتلك بالفعل شركة “QTS” الكبرى لمراكز البيانات في أمريكا الشمالية، إلى جانب حصص استثمارية في عمالقة الذكاء الاصطناعي مثل Anthropic وOpenAI وSpaceX (المالكة لشركة xAI).
الصراع الصامت مع إنفيديا وعمالقة السحاب
هذا التحالف المباغت يسلط الضوء أيضاً على المنافسة المتصاعدة تحت الرماد بين “إنفيديا” ومصممي الرقاقات الآخرين من جهة، وبين زبائنها الكبار مثل جوجل وأمازون من جهة أخرى. جوجل لا تريد الاعتماد الكلي على معالجات خارجية، وتفضل دفع رقاقاتها الخاصة إلى الواجهة، تماماً كما تفعل أمازون التي تقدم رقاقات “Trainium” المخصصة عبر خدمات AWS السحابية.
وفي سياق متصل، أشار آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لأمازون، إلى أن قطاع الرقاقات لديهم نما بنسبة 40% على أساس ربع سنوي، بمعدل إيرادات سنوي يتجاوز 20 مليار دولار. بل إن جاسي ذهب إلى أبعد من ذلك مؤكداً أنه لو كان هذا القطاع شركة مستقلة تبيع المعالجات للشركات ولـ AWS، لبلغت قيمتها السوقية التشغيلية نحو 50 مليار دولار. هذا الصراع يعكس بوضوح أن امتلاك القوة البرمجية في 2026 لم يعد كافياً، بل إن من يمتلك العتاد ومصادر الطاقة في الخلفية هو من سيقود المشهد بالكامل.
